قراءات الصوم الكبير وترابطها

إن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية العميقة في كل شيء، والعميقة في طقوسها وقراءاتها.. رتبت أن يوجد هدف يربط بين قراءات فصول الكتاب المقدس التي تُقرأ خلال الصوم المقدس.

ويمكننا أن نلاحظ هذه الموضوعات للقراءات الكنسية:



1- الموضوع العام للصوم المقدس.

2- الموضوعات العامة لأسابيع الصوم.

3- الموضوعات العامة لأيام الصوم.

4- الموضوعات الخاصة لأيام الصوم.

5- موضوعا قسمي الصوم.

6- موضوعات السبوت والآحاد.



أولاً: الموضوع العام للصوم المقدس:



إن الكنيسة رتبت لنا أن تدور القراءات التي تُتلى خلال الصوم المقدس حول موضوع واحد وهو: "الجهاد الروحي"، لأنها تُعلّم مع القديس بولس الرسول: "لم تُقاوِموا بَعدُ حتَّى الدَّمِ مُجاهِدينَ ضِدَّ الخَطيَّةِ" (عب 4:12).



وهى تناشد كل مؤمن أن يجاهد الجهاد الحسن كما كان مُعلِّمنا بولس الرسول يناشد تلميذه تيموثاوس قائلاً: "جاهِدْ جِهادَ الإيمانِ الحَسَنَ، وأمسِكْ بالحياةِ الأبديَّةِ التي إليها دُعيتَ أيضًا، واعتَرَفتَ الاِعتِرافَ الحَسَنَ أمامَ شُهودٍ كثيرينَ" (1تى 12:6).



ثانياً: الموضوعات العامة لأسابيع الصوم:



قسمت الكنيسة الأربعين المُقدَّسة إلى ستة أسابيع .. يبدأ كل منها يوم الاثنين وينتهي يوم الأحد. وأضافت في أولها أسبوعًا للاستعداد وهو مقدمة للصوم، ثم جعلت جميع القراءات التي تُتلى في أيام كل أسبوع من هذه الأسابيع السبعة تدور حول موضوع واحد وهدف واحد يعتبر حلقة من حلقات الموضوع العام للصوم.



w الأسبوع الأول:



تدور قراءاته حول الاستعداد للجهاد، وإذا حذفنا قراءات هذا الأسبوع سوف نجد أنها لن تؤثر على الموضوع العام للصوم لأنه استعداد.



w الأسبوع الثاني:



وموضوع قراءاته هو الجهاد الروحي وطبيعته.



w الأسبوع الثالث:



وتدور قراءاته حول التوبة أو طهارة الجهاد.



w الأسبوع الرابع:



هو أسبوع الإنجيل أو دستور الجهاد.



w الأسبوع الخامس:



أسبوع الإيمان أو هدف الجهاد.



w الأسبوع السادس:



أسبوع المعمودية أو صبغة الجهاد.



w الأسبوع السابع:



أسبوع الخلاص "خلاص الجهاد".



ثالثاً: الموضوعات العامة لأيام الصوم:



w أيام الأسبوع الأول:



وقراءات هذا الأسبوع بمثابة الاستعداد لرحلة الجهاد، حيث أن قراءات الأيام السبعة لهذا الأسبوع تسير على الترتيب الآتي:



ترك الشر - الالتصاق بالخير - محبة الآخرين - النمو الروحي - الاتكال على الله - السلوك بالكمال - الهداية إلى الملكوت.



w أيام الأسبوع الثاني:



بعد أن أعدت الكنيسة نفوس أولادها للجهاد الروحي على النحو السابق، فهي في هذا الأسبوع تبيّن من خلال قراءاتها طبيعة الجهاد المطلوب منهم .. فتتحدث عن:



صلاة الجهاد - صدقة الجهاد - أمانة الجهاد - دستور الجهاد - ثبات الجهاد - ضيقات الجهاد - نصرة الجهاد.



w أيام الأسبوع الثالث:



وفى الأسبوع الثالث توضِّح لنا الكنيسة أن الجهاد لابد أن يكون متسمًا بطهارة القلب والفكر عن طريق التوبة الحقيقية من خلال قراءات الأيام السبعة .. وهى كالتالي:



اعتراف التوبة - بر التوبة - تجارب التوبة - دينونة التوبة - أمان التوبة - مغفرة التوبة - قبول التوبة.



w أيام الأسبوع الرابع:



وقراءات هذا الأسبوع تتحدث عن دستور الجهاد الذي هو الكتاب المقدس، وهكذا تشير موضوعات هذا الأسبوع إلى:



روح الإنجيل - الكرازة بالإنجيل - سلام الإنجيل - إنارة الإنجيل - الإيمان بالإنجيل - العمل بالإنجيل - عزة الإنجيل.



w أيام الأسبوع الخامس:



إن الهدف من الكرازة بالإنجيل هو أن يُؤمن به سامعوه، والكنيسة تعالج موضوع الإيمان من خلال قراءات الأسبوع الخامس كما يلي:



اتكال الإيمان - خدمة الإيمان - رجاء الإيمان - تحرير الإيمان - قصاص الإيمان - هداية الإيمان - تشديد الإيمان.



w أيام الأسبوع السادس:



إن العضوية في كنيسة السيد المسيح لا تتم لمَنْ يؤمن إلاَّ إذا نال سر المعمودية المُقدَّسة، وقد رتبت الكنيسة أن توزع أبحاثها في هذا السر على أيام الأسبوع في ضوء عقيدتها والطقس المُتبع في إتمامه لذلك.



فالقراءات تدور حول:



توبة المعمودية - اعتراف المعمودية - دينونة المعمودية - حياة المعمودية - قيامة المعمودية - خلاص المعمودية - إنارة المعمودية.



w أيام الأسبوع السابع:



إن الخلاص هو غاية الذين يتوبون ويؤمنون بالإنجيل ويعتمدون، وقد رتبت الكنيسة أن تبحث في موضوع الخلاص مُمثَلاً في شخص الرب يسوع من النواحي الآتية:



شهود المُخلِّص - الاعتراف بالمُخلِّص - الإيمان بالمُخلِّص - قيامة بالمُخلِّص - دينونة بالمُخلِّص - بركة بالمُخلِّص - فداء بالمُخلِّص.



وعلى ذلك تسير الموضوعات طوال أيام الصوم، ويلاحظ أن هذه القراءات تتألف من فصول العهد القديم والجديد لكل يوم من أيام هذا الصوم.



رابعاً: الموضوعات الخاصة لأيام الصوم:



إن المتأمل في القراءات الموضحة لكل يوم من أيام الصوم المقدس يرى أنها تتألف من ثلاث مجموعات هي: النبوات والأناجيل والرسائل.



وهذه المجموعات بينها ارتباط وثيق، وكلها تدور حول موضوع واحد هو الموضوع العام لليوم.



خامساً: موضوعا قسمي الصوم:



w لقد قسّمت الكنيسة الصوم إلى قسمين:



1- القسم الأول:



يتألف من أسبوع الاستعداد والأسابيع الثلاثة التالية له، وموضوعات هذا القسم كلها تدور حول ما هو مطلوب من الشعب من مظاهر الجهاد الروحي، مثل:

ترك الشر، وممارسة الصلاة، والصدقة، والتوبة، وإطاعة الإنجيل ... وما إلى ذلك.



2- القسم الثاني:



وهى تشمل الأسابيع الثلاثة الأخيرة. والقراءات في هذا القسم كلها تدور حول ثمرة الجهاد، أي مدى استجابتهم له كإيمانهم بالإنجيل والتمتع بثمار المعمودية والفوز بالخلاص.



سادساً: موضوعات السبوت والآحاد:



إن الكنيسة ميزت موضوعات السبوت والآحاد عن أيام الصوم الانقطاعي الخمسة بميزتين .. فمَنْ يدقق النظر في نظامهما يرى:



1- الميزة الأولى:



إن موضوعات الأيام الخمسة تنصب على ما يبذله الشعب من جهاد، في حين أن موضوعات السبوت والآحاد تنصب على نِعَم المُخلِّص المتعددة التي يمنحها لهم جزاء لهذا الجهاد ..



w فإذا تابوا مثلاً .. يقبل توبتهم مثل الابن الضال.



w وإذا سمعوا الإنجيل وعملوا به .. روى نفوسهم كما ارتوت السامرية.



w وإذا آمنوا .. شدّد إيمانهم كما شدّد قوى المخلع.



w وإذا اعتمدوا .. أنار بصيرتهم كما استنار المولود أعمى.



2- الميزة الثانية:



هي الارتباط الوثيق بين موضوعات السبوت وموضوعات الآحاد. فحلقات الموضوع العام في أي أسبوع تبدأ بيوم الاثنين وتنتهي يوم الجمعة، لأن هذه الأيام الخمسة مرتبطة ببعضها، قائمة بذاتها، مستقلة عما عداها.



ثم تستأنف الكنيسة نفس الموضوع يوم السبت، ولكن بحلقة جديدة من الحلقات. فتطالب الشعب بناحية جديدة من الجهاد، حتى إذا قام بها حمل إليه إنجيل الأحد ثواب المُخلِّص له على هذا الجهاد.



w على سبيل المثال قراءات الأسبوع الثالث تدور حول التوبة:



ففي يوم الاثنين الحلقة الأولى منه تدور حول الاعتراف، يليها تبرير المعترف، ثم تعرّضه للتجارب وهكذا ..



أما في يوم السبت فإن الكنيسة تحث التائب على المغفرة لغيره، فإذا فعل ذلك قبلت توبته، كما يوضِّح ذلك إنجيل الأحد .. أي أن إنجيل السبت يُمثل جهاد الشعب، وإنجيل الأحد يُمثل نعمة المُخلِّص له على هذا الجهاد ... وهكذا في كافة الأسابيع.



هذه هي موضوعات الصوم كما وضعتها الكنيسة، ولابد أن نلاحظ أن الاهتداء إلى هذه الموضوعات ليس بالأمر الهين .. فقد يقتضي ذلك أن نبدأ بقراءة إنجيل القداس ورسالة البولس والنبوة الأولى عدة مرات لمعرفة سر الارتباط بينها، ثم قراءة النبوات واحدة واحدة لمعرفة موضوعها الخاص، وكذلك الحال في بقية الأناجيل والرسائل، ثم البحث في مدى ارتباط قراءات اليوم بعضها البعض لاستخراج الموضوع العام لقراءات هذا اليوم، ثم الموضوع العام للأسبوع الذي يربط بينها .. فإذا انتهينا من الموضوعات العامة للأسابيع توصلنا إلى معرفة الموضوع العام للصوم كله.