آباؤنا الرسل وخدمة التسبيح

بعد قيامة رب المجد يسوع استمر الآباء الرسل في الذهاب إلى الهيكل للصلاة. ويذكر سفر الأعمال مواظبة الآباء الرسل على صلوات السواعي بالهيكل. ومع أن الذبائح الدموية (انتهت فاعليتها) لأنها كانت مجرد رمز للفداء وبطلت بالصليب.. لكنهم كانوا يجتمعون في الهيكل وخاصة في رواق سليمان:

+ "تراكَضَ إليهِمْ جميعُ الشَّعبِ إلَى الرواقِ الذي يُقالُ لهُ "رِواقُ سُلَيمانَ" وهُم مُندَهِشونَ" (أع11:3).

+ "وكانَ الجميعُ بنَفسٍ واحِدَةٍ في رِوَاقِ سُلَيمَانَ" (أع12:5).

+ وهو نفس المكان الذي كان يتواجد فيه الرب يسوع "وَكَانَ يَسُوعُ يَتَمشَّى في الهَيكَل في رِوَاقِ سُلَيمَانَ" (يو23:10).

ماذا كانوا يفعلون في رِوَاقِ سُلَيمَانَ؟ بكل تأكيد كانوا يواظبون على الصلاة والتسبيح والمزامير: "وكانوا كُلَّ حينٍ في الهيكلِ يُسَبحونَ ويُبارِكونَ اللهَ" (لو53:24)، وكان حضورهم أيضًا مرتبطًا بمواعيد الصلاة في الهيكل فمثلاً قيل: "وصَعِدَ بُطرُسُ ويوحَنا مَعًا إلَى الهيكلِ في ساعَةِ الصَّلاةِ التّاسِعَةِ" (أع1:3)، وقد ورد أيضًا ذكر الساعة الثالثة في (أع15:2)، والساعة السادسة "صَعِدَ بُطرُسُ علَى السَّطحِ ليُصَليَ نَحوَ السّاعَةِ السّادِسَةِ" (أع9:10)، والساعة التاسعة في (أع3:10).

وقد قيل عن كل جماعة المؤمنين: "وكانوا كُلَّ يومٍ يواظِبونَ في الهيكلِ بنَفسٍ واحِدَةٍ" (أع46:2)، "وكانوا لا يَزالونَ كُلَّ يومٍ في الهيكلِ وفي البُيوتِ مُعَلمينَ ومُبَشرينَ بيَسوعَ المَسيحِ" (أع42:5)، وكان هذا كله متوافقًا مع المزمور القائل: "مساءً وصباحًا وظُهرًا أشكو وأنوحُ، فيَسمَعُ صوتي" (مز17:55).

ما أجمل هذه الروح النُسكية العميقة التي كان يعيش بها آباؤنا الرسل مع الجيل الأول المسيحي "هؤُلاءِ كُلُّهُمْ كانوا يواظِبونَ بنَفسٍ واحِدَةٍ علَى الصَّلاةِ والطلبَةِ، مع النساءِ، ومَريَمَ أُم يَسوعَ، ومع إخوَتِهِ" (أع14:1)، "ولَمّا حَضَرَ يومُ الخَمسينَ كانَ الجميعُ مَعًا بنَفسٍ واحِدَةٍ" (أع1:2)، "وكانوا يواظِبونَ علَى تعليمِ الرُّسُلِ، والشَّرِكَةِ، وكسرِ الخُبزِ، والصَّلَواتِ" (أع42:2)، "مُسَبحينَ اللهَ، ولهُمْ نِعمَةٌ لَدَى جميعِ الشَّعبِ" (أع47:2).

كانت حياتهم كلها تسبيح وصلاة وشكر حتى في أقسى الظروف، وكانت تسابيحهم إقتباسات من المزامير "فلَمّا سمِعوا، رَفَعوا بنَفسٍ واحِدَةٍ صوتًا إلَى اللهِ وقالوا: أيُّها السَّيدُ، أنتَ هو الإلهُ الصّانِعُ السماءَ والأرضَ والبحرَ وكُلَّ ما فيها" (أع24:4)، "ولَمّا صَلَّوْا تزَعزَعَ المَكانُ الذي كانوا مُجتَمِعينَ فيهِ، وامتَلأَ الجميعُ مِنَ الرّوحِ القُدُسِ، وكانوا يتكلَّمونَ بكلامِ اللهِ بمُجاهَرَةٍ" (أع31:4)، وعندما كان بطرس في السجن صلّت الكنيسة بلجاجة من أجله (أع5:12)، وكذلك كان بولس وسيلا في السجن "ونَحوَ نِصفِ اللَّيلِ كانَ بولُسُ وسيلا يُصَليانِ ويُسَبحانِ اللهَ، والمَسجونونَ يَسمَعونَهُما" (أع25:16).

كانت معظم هذه التسابيح تُقام في هيكل أورشليم، ثم يُقيمون الإفخارستيا في البيوت، بدلاً – طبعًا – من الإشتراك في الذبائح الدموية بالهيكل، حيث حَلْ هنا المرموز إليه بدلاً من الرمز "وفي أوَّلِ الأُسبوعِ إذ كانَ التلاميذُ مُجتَمِعينَ ليَكسِروا خُبزًا، خاطَبَهُمْ بولُسُ وهو مُزمِعٌ أنْ يَمضيَ في الغَدِ، وأطالَ الكلامَ إلَى نِصفِ اللَّيلِ" (أع7:20). ومع انتشار الآباء الرسل في العالم ليكرزوا بإنجيل المسيح، حملوا معهم هذا الكنز العظيم الذي للتسبيح حتى تتعلّم كل الشعوب تسبيح الله وتمجيده.

(1) استمرار التسبيح في الكنيسة المسيحية

التسبيح في الكنيسة هو أعظم كنز ورثته المسيحية عن العبادة بهيكل أورشليم، حتى أنه كانت هناك وصية أساسية يُقدمها الرسل لأبنائهم المؤمنين أن يُسبحوا بالمزامير والتسابيح والأغاني الروحية..

+ "مُكلمينَ بَعضُكُمْ بَعضًا بمَزاميرَ وتسابيحَ وأغانيَّ روحيَّةٍ، مُتَرَنمينَ ومُرَتلينَ في قُلوبِكُمْ للرَّب. شاكِرينَ كُلَّ حينٍ علَى كُل شَيءٍ في اسمِ رَبنا يَسوعَ المَسيحِ، للهِ والآبِ" (أف19:5-20)

+ "لتَسكُنْ فيكُم كلِمَةُ المَسيحِ بغِنًى، وأنتُمْ بكُل حِكمَةٍ مُعَلمونَ ومنذِرونَ بَعضُكُمْ بَعضًا، بمَزاميرَ وتسابيحَ وأغانيَّ روحيَّةٍ، بنِعمَةٍ، مُتَرَنمينَ في قُلوبِكُمْ للرَّب" (كو16:3).

كانت المزامير هي المادة الأساسية للصلاة في كل الاجتماعات الليتورجية في الكنيسة الأولى "فما هو إذًا أيُّها الإخوَةُ؟ مَتَى اجتَمَعتُمْ فكُلُّ واحِدٍ مِنكُمْ لهُ مَزمورٌ" (1كو26:14)، وكانت أيضًا المزامير هي وسيلة العزاء في الضيقات، وأيضًا وسيلة التعبير عن الفرح في أوقات الفرج " أعلَى أحَدٍ بَينَكُمْ مَشَقّاتٌ؟ فليُصَل. أمَسرورٌ أحَدٌ؟ فليُرَتلْ" (يع13:5).

+ تسبحة جديدة..

ومع أن التسبيح في الكنيسة المسيحية هو استمرار للتسبيح بالمزامير في العهد القديم.. إلا أن هذا التسبيح كان قد اكتسب روحًا جديدة بسبب التجسد والخلاص. وهذا ما تنبأت عنه المزامير نفسها:

+ "غَنّوا لهُ أُغنيَةً جديدَةً. أحسِنوا العَزفَ بهُتافٍ" (مز3:33).

+ "رَنموا للرَّب ترنيمَةً جديدَةً. رَنمي للرَّب يا كُلَّ الأرضِ" (مز1:96).

إنها دعوة لكل الأرض، وليس لليهود فقط.. الأمر الذي تحقق بدخول الأمم إلى الإيمان، فصار لهم نصيب في تسبيح الرب..

+ "غَنّوا للرَّب أُغنيَةً جديدَةً، تسبيحَهُ مِنْ أقصَى الأرضِ. أيُّها المُنحَدِرونَ في البحرِ ومِلؤُهُ والجَزائرُ وسُكّانُها" (إش10:42).

+ "رَنموا للرَّب ترنيمَةً جديدَةً، لأنَّهُ صَنَعَ عَجائبَ. خَلَّصَتهُ يَمينُهُ وذِراعُ قُدسِهِ" (مز1:98).

إن الخلاص هو الباعث الأول للتسبيح تسبحة جديدة في الكنيسة..

+ "وجَعَلَ في فمي ترنيمَةً جديدَةً، تسبيحَةً لإلهِنا. كثيرونَ يَرَوْنَ ويَخافونَ ويتوَكَّلونَ علَى الرَّب" (مز3:40).

+ "يا اللهُ، أُرَنمُ لكَ ترنيمَةً جديدَةً. برَبابٍ ذاتِ عشَرَةِ أوتارٍ أُرَنمُ لكَ" (مز9:144).

+ "هَللويا. غَنّوا للرَّب ترنيمَةً جديدَةً، تسبيحَتَهُ في جَماعَةِ الأتقياءِ" (مز1:149).

طوبى لنا نحن الشعب المسيحي لأننا تذوقنا خلاص الله، وصار لنا فرح وابتهاج بخلاصه، وأُعطينا الحق أن نُسبِّح الله من أجل خلاصه العجيب، وتحققت فينا نبؤة المزمور: "وأنتَ القُدّوسُ الجالِسُ بَينَ تسبيحاتِ إسرائيلَ" (مز3:22). ولا يقتصر التسبيح على فترة وجودنا هنا على الأرض، ولكن الدارس لسفر الرؤيا سيكتشف لسعادته وجود تسبيح دائم لا ينقطع بالسماء. بل يمكننا أن نعتبر أن تسبيحنا هنا على الأرض ما هو إلا تدريب على حياة التسبيح الدائم والحقيقي في السماء.

(2) التسبيح في السماء (كما ورد في سفر الرؤيا)

إن ما يُميز حياة السماء هو التسبيح الدائم، والفرح غير المنقطع، وهذا ما يُعلنه سفر الرؤيا.. حيث يصف ليتورجيا السماء وصفًا دقيقًا يشمل صفوف وأنواع السمائيين، وملابسهم، وطريقة سجودهم، أو جلوسهم، والتسابيح التي يتلونها، والبخور المتصاعد من مجامرهم.

(أ) مجد السماء:

تعالَ معي – صديقي القارئ – لنرى مجد السماء، وجمال التسبيح السماوي كما رآه يوحنا اللاهوتي الحبيب:

"وللوقتِ صِرتُ في الرّوحِ، وإذا عَرشٌ مَوْضوعٌ في السماءِ، وعلَى العَرشِ جالِسٌ... وحَوْلَ العَرشِ أربَعَةٌ وعِشرونَ عَرشًا. ورأيتُ علَى العُروشِ أربَعَةً وعِشرينَ شَيخًا جالِسينَ مُتَسَربِلينَ بثيابٍ بيضٍ، وعلَى رؤوسِهِمْ أكاليلُ مِنْ ذَهَبٍ... وفي وسطِ العَرشِ وحَوْلَ العَرشِ أربَعَةُ حَيَواناتٍ مَملوَّةٌ عُيونًا مِنْ قُدّامٍ ومِنْ وراءٍ... لكُل واحِدٍ مِنها سِتَّةُ أجنِحَةٍ حَوْلها، ومِنْ داخِلٍ مَملوَّةٌ عُيونًا، ولا تزالُ نهارًا وليلاً قائلَةً: "قُدّوسٌ، قُدّوسٌ، قُدّوسٌ، الرَّبُّ الإلهُ القادِرُ علَى كُل شَيءٍ، الذي كانَ والكائنُ والذي يأتي". وحينَما تُعطي الحَيَواناتُ مَجدًا وكرامَةً وشُكرًا للجالِسِ علَى العَرشِ، الحَي إلَى أبدِ الآبِدينَ، يَخِرُّ الأربَعَةُ والعِشرونَ شَيخًا قُدّامَ الجالِسِ علَى العَرشِ، ويَسجُدونَ للحَي إلَى أبدِ الآبِدينَ، ويَطرَحونَ أكاليلهُمْ أمامَ العَرشِ قائلينَ: أنتَ مُستَحِقٌّ أيُّها الرَّبُّ أنْ تأخُذَ المَجدَ والكَرامَةَ والقُدرَةَ، لأنَّكَ أنتَ خَلَقتَ كُلَّ الأشياءِ، وهي بإرادَتِكَ كائنَةٌ وخُلِقَتْ" (رؤ2:4-11).

ما أجمل هذا المنظر السمائي البهي الذي يشترك فيه الأربعة والعشرون شيخًا مع الأربعة الحيوانات غير المتجسدة في تسبيح الجالس على العرش بالثلاثة تقديسات.

(ب) العريس السمائي:

إن أبهى ما في السماء هو الجالس على العرش في الوسط.. إنه ربنا يسوع المسيح الذي يجب له التسبيح. إن مجرد وجوده وظهوره وحضوره هو تسبيح وفرح لا ينقطع، ومجد وكرامة لا يُعبَّر عنها، وهذا ما جعل هذه الطغمات السمائية تلهج بالتسبيح بهذه الطريقة السمائية البديعة.

إن النفس التي تنفتح على رؤية المسيح لابد أن ينطق لسانها وقلبها بالتسبيح. ولأن المسيح حاضر دائمًا في كنيسته، ومُستعلن بكل بهائه (عمانوئيل إلهنا في وسطنا الآن بمجد أبيه والروح القدس) لذلك تحيا الكنيسة على الأرض في حياة التسبيح الدائم.. "أُخَبرُ باسمِكَ إخوَتي، وفي وسطِ الكَنيسَةِ أُسَبحُكَ" (عب12:2)، "فلنُقَدمْ بهِ في كُل حينٍ للهِ ذَبيحَةَ التَّسبيحِ، أيْ ثَمَرَ شِفاهٍ مُعتَرِفَةٍ باسمِهِ" (عب15:13).

(ج) ترنيمة جديدة:

تعالَ معي ننتقل إلى منظر آخر سمائي يصف جمال التسبيح:

" ورأيتُ فإذا في وسطِ العَرشِ والحَيَواناتِ الأربَعَةِ وفي وسطِ الشُّيوخِ خَروفٌ قائمٌ كأنَّهُ مَذبوحٌ... ولَمّا أخَذَ السفرَ خَرَّتِ الأربَعَةُ الحَيَواناتُ والأربَعَةُ والعِشرونَ شَيخًا أمامَ الخَروفِ، ولهُمْ كُل واحِدٍ قيثاراتٌ وجاماتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَملوَّةٌ بَخورًا هي صَلَواتُ القِديسينَ. وهُمْ يترَنَّمونَ ترنيمَةً جديدَةً قائلينَ: "مُستَحِقٌّ أنتَ أنْ تأخُذَ السفرَ وتفتَحَ خُتومَهُ، لأنَّكَ ذُبِحتَ واشتَرَيتَنا للهِ بدَمِكَ مِنْ كُل قَبيلَةٍ ولسانٍ وشَعبٍ وأُمَّةٍ، وجَعَلتَنا لإلهِنا مُلوكًا وكهنةً، فسَنَملِكُ علَى الأرضِ". ونَظَرتُ وسمِعتُ صوتَ مَلائكَةٍ كثيرينَ حَوْلَ العَرشِ والحَيَواناتِ والشُّيوخِ، وكانَ عَدَدُهُمْ رَبَواتِ رَبَواتٍ وأُلوفَ أُلوفٍ، قائلينَ بصوتٍ عظيمٍ: "مُستَحِقٌّ هو الخَروُفُ المَذبوحُ أنْ يأخُذَ القُدرَةَ والغِنَى والحِكمَةَ والقوَّةَ والكَرامَةَ والمَجدَ والبَرَكَةَ!". وكُلُّ خَليقَةٍ مِمّا في السماءِ وعلَى الأرضِ وتحتَ الأرضِ، وما علَى البحرِ، كُلُّ ما فيها، سمِعتُها قائلَةً: "للجالِسِ علَى العَرشِ وللخَروفِ البَرَكَةُ والكَرامَةُ والمَجدُ والسُّلطانُ إلَى أبدِ الآبِدينَ". وكانَتِ الحَيَواناتُ الأربَعَةُ تقولُ: "آمينَ". والشُّيوخُ الأربَعَةُ والعِشرونَ خَرّوا وسجَدوا للحَي إلَى أبدِ الآبِدينَ" (رؤ6:5-14).

ما أجمل هذا المنظر السمائي البديع.. إنه سجود وقيثارات وبخور وترنيم، ثم خوارس تتبادل التسبيح، ومخلوقات سمائية تردد "آمين".. والعجيب هنا أن الطغمات الملائكية يقولون للابن الوحيد: "لأنَّكَ ذُبِحتَ واشتَرَيتَنا للهِ بدَمِكَ" (رؤ9:5).. ومعروف طبعًا أن الابن اشترانا – نحن البشر – بدمه ولم يشترِ الملائكة.. فلماذا إذًا يقولون له هذا التعبير؟

إنهم حقًا "يُسبِّحون تسبحة الغلبة والخلاص الذي لنا" بحسب تعبير القديس "غريغوريوس اللاهوتي" في القداس الإلهي. فكما نشاركهم في تسبيحهم قائلين: "قُدّوسٌ.. قُدّوسٌ.. قُدّوسٌ" يُشاركونا هم أيضًا في تسبيحنا قائلين: "ذُبِحتَ واشتَرَيتَنا". ما أجمل شركة التسبيح!! إنها تُدخلنا في علاقة حب واتحاد مع السمائيين